الأخبار الجمعة 24 نيسان 2026
وعلى عكس فيلان الذي تصادم، في غير محطّة، مع وزير الدفاع بيت هيغسيث، يُعتبر كاو حليفاً طبيعياً للأخير، وكلاهما يتبنّى فكرة «تطهير» القيادات التقليدية واستبدالها بقيادات «هجومية»، مما ينهي حقبة «المديرين المدنيين»، ويطلق حقبة «المحاربين الميدانيين»، والموالين لأجندة «أميركا أولاً». وفي حديث إلى صحيفة «ذي غارديان» البريطانية، أوضحت مصادر أنه من بين نقاط الخلاف بين هيغسيث وفيلان، إلقاء الأول باللوم على الأخير لعدم اتّخاذه إجراءات «عدوانية بما فيه الكفاية» ضدّ السيناتور مارك كيلي، الذي ظهر في مقطع فيديو ينصح فيه القوات البحرية بتجاهل «الأوامر غير القانونية».
وعبر حديثه عن «الأوامر غير القانونية»، عكس كيلي، آنذاك، جزءاً من صراع دستوري وقانوني محتدم داخل الولايات المتحدة، مرتبط بشكل مباشر بكيفية إدارة ترامب للحرب في إيران، وتحديداً في ما يتعلّق بتجاوز ساكن البيت الأبيض لقرار «سلطات الحرب».
كذلك، أشارت بعض التقارير إلى أن فيلان «اصطدم» أيضاً مع نائب هيغسيث، ستيفن فاينبرغ، الذي ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» وشبكة «سي إن إن» أنه لا يوافق على تعامل الأول مع «مبادرات بناء السفن»، علماً أن فيلان كان يركّز، منذ مدّة، على مشروع «الأسطول الذهبي» (Golden Fleet) وبناء سفن ضخمة (Trump-class) ستستغرق سنوات لتَجهز. ويستبعد محللون حربيون أن ينجح «الأسطول الذهبي» المقترح، والذي يرتكز على بوارج كبيرة من «فئة ترامب»، غالباً ما يشار إليها باسم «BBG-1» أو «USS Defiant». ويُرجع المحلّلون هذا التقدير إلى التحديات التي لا يمكن التغلّب عليها من حيث التكلفة والقدرة الصناعية والأهمية القتالية الحديثة. كما يرى منتقدو الخطة، التي تسعى إلى إحياء عصر السفن الحربية، أن المشروع المذكور لا يتماشى مع «متطلّبات الحرب الحديثة»، التي تفضّل الأنظمة الأصغر حجماً والموزّعة وغير المأهولة.
شهدت القيادة العسكرية الأميركية في عهد ترامب «أكبر عملية تطهير في تاريخها الحديث»
بناءً على ما تقدّم، لم يعد يمكن، طبقاً لكثيرين، النظر إلى إقالة جون فيلان على أنها مجرّد «تعديل وزاري»، بل هي أشبه باعتراف ضمني بأن الاستراتيجية البحرية الأميركية، وتحديداً في مضيق هرمز، اصطدمت بـ«حدود قوتها»؛ إذ بينما كان فيلان يخطّط لـ«أسطول ذهبي» مستقبلي، كانت الزوارق الإيرانية السريعة تخرق الحصار وتزرع الألغام، مما خلق فجوة بين طموحات واشنطن وواقع الميدان، و«عرقل» على الأغلب، الطموحات المشار إليها، والتي باتت على ما يبدو تركّز على «إغراق السفن» بدلاً من بنائها.
ولا يبدو ذلك مستغرباً إلى حدّ كبير؛ فبعدما كانت إدارة ترامب تراهن على أن الحصار على الموانئ الإيرانية سيؤدي إلى «ركوع إيران في غضون أيام»، ثبت عملياً العكس؛ إذ أفادت تقارير غربية بنجاح طهران في الالتفاف على الحصار وإخراج سفنها، جنباً إلى جنب إثباتها أن زوارقها السريعة وألغامها الذكية قادرة على إبطاء وتيرة عمل «الأسطول الخامس»، وهو ما يُنظر إليه في أوساط مسؤولي ترامب، بمن فيهم هيغسيث، على أنه «فشل قيادي» من فيلان في إدارة الميدان.
ورغم اتهام هيغسيث، لفيلان، بالفشل في المضيّ قدماً في تحقيق طموحات ترامب البحرية، فإن المشكلة تتجاوز مجرّد «فرد» في الإدارة، لتمسّ «بنية» صناعة الدفاع الأميركية؛ وفي هذا السياق، ورد في تقرير نشره «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» في كانون الأول 2025، أن مكتب الميزانية في الكونغرس قدّر أن تبلغ تكلفة المدمرة المستقبلية التي يبلغ وزنها 14500 طن، 4.4 مليار دولار أو 300 ألف دولار للطن. وهذا يعني أن تكلفة السفينة الحربية ستبلغ نحو 9.1 مليار دولار، علماً أنه عادة ما تكون السفن الرائدة أغلى بنسبة 50 بالمئة من المتوسط، مما يعني أنه من المحتمل أن تكلّف «BBG 1»، أي البارجة من «فئة ترامب»، مليار دولار، وهو ما يعادل تكلفة حاملة طائرات تقريباً.
ويحذر التقرير من أن هذا الرقم من المرجح أن يكون أعلى، «بسبب التضخم في قطاع بناء السفن». فعلى سبيل المثال، سيتطلب بناء السفينة الحربية الآلاف من عمال أحواض بناء السفن ذوي الخبرة، حتى مع وجود نقص في العمالة، وتنافُس الأحواض ضدّ بعضها البعض للحصول على موظفين. أيضاً، تفتقر الولايات المتحدة إلى القدرة الإنتاجية اللازمة لبناء فئة جديدة من «السفن العملاقة»، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الأسطول الحالي، وذلك قبل أن تكشف التجربة الأخيرة في الشرق الأوسط، حتى عن مدى النقص في عمليات الصيانة لأهمّ حاملات الطائرات الأميركية، بما فيها تلك التي من فئة «جيرالد فورد». وفيما تطول قائمة السفن والناقلات التي تحتاج إلى الصيانة - «الفورية» أحياناً - لعدّة قطع أصيبت بمسيّرات انتحارية إيرانية، فإن الأحواض الجافة في فرجينيا وبوجيه ساوند «ممتلئة بالكامل».

